أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
90
العقد الفريد
يحتاج إليه ؛ ثم قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فوضع رداءه ؛ فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يعملون ويرتجزون ويقولون : لئن قعدنا والنّبيّ يعمل * ذاك إذا لعمل مضلّل قالت : وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا ، فكان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه ، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر إلى ثوبه ، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه ؛ فنظر إليه عليّ رضي اللّه عنه فأنشده : لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيها راكعا وساجدا « 1 » وقائما طورا وطورا قاعدا * ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر ، فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني ؛ فسمعه عثمان فقال : يا بن سمية ، ما أعرفني بمن تعرّض . ومعه جريدة ، فقال : لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك ! فسمعه النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط ، فقال : عمّار جلدة ما بين عينيّ وأنفي ، فمن بلغ ذلك منه ؟ وأشار بيده فوضعها بين عينيه ، فكف الناس عن ذلك ، وقالوا لعمار : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد غضب فيك ، ونخاف أن ينزل فينا قرآن . فقال أنا أرضيه كما غضب . فأقبل عليه فقال يا رسول اللّه ، ما لي ولأصحابك ؟ قال : ومالك ولهم ؟ قال : يريدون قتلي ، . يحملون لبنة [ لبنة ] ويحملون عليّ لبنتين . فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول : يا ابن سمية ، لا يقتلك أصحابي ؛ ولكن تقتلك الفئة الباغية . فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قال معاوية : هم قتلوه ؛ لأنهم أخرجوه إلى القتل ! فلما بلغ ذلك عليا قال : ونحن قتلنا أيضا حمزة ، لأنّا أخرجناه . من حرب صفين أبو الحسن قال : كانت أيام صفين كلها موافقة ، ولم تكن هزيمة في أحد الفريقين إلا على حامية ثم يكرّون .
--> ( 1 ) دأب الشيء : لازمه واعتاده من غير فتور .